في عمر الخمسين.. سيدة تقنع 4000 عراقي بعدم الهجرة

في عمر الخمسين.. سيدة تقنع 4000 عراقي بعدم الهجرة

  • 14-12-2019
  • تقارير
  • 223 مشاهدة
حجم الخط:

كلكامش برس/ بغداد

تحركت سندس لطيف السَيفي بين محافظات بغداد والانبار وكركوك وميسان وذي قار والبصرة متحملة ثقل سنوات عمرها الخمسين وتعب السفر وشحة الدعم المادي، للوقوف مع الشباب الذين رغبوا بالهجرة وثنيهم عن تلك الفكرة بتوفير بدائل مناسبة.

واليوم تشاطر السيفي عائلة نذير يونس جلسة أعداد الطعام وهي تلف اكلة  "الدولمة" مستذكرة الجهود التي بذلتها من اجل ثنيهم عن مغادرة العراق.

يونس الرجل الستيني من طائفة الصابئة المندائيين كان  يسكن العاصمة بغداد ويعمل في صياغة الذهب لكنه تعرض الى حادث سطو نجا منه باعجوبة، إذ دخل عليه احد المسلحين لسرقة المجوهرات المعروضة. استطاع يونس ان ينجو بحياته واضطر لترك مهنته التي تعرضه للمخاطر وصمم على الهجرة مع عائلته المكونة من ستة أفراد.

يقول يونس حول تلك الأيام "أكمل أبنائي دراستهم الجامعية لكنهم بقوا بلا عمل باستثناء ابنتي الصيدلانية وعندما اكملنا متطلبات الهجرة الى احدى الدول الاوروبية، عرضت علينا الناشطة سندس السيفي بديلا بدا لنا معقولا وهو مكان للسكن في محافظة البصرة مع ايجاد فرصة لي بالعمل محاسبا في احدى الشركات مع راتب مجزي، ووافقنا على مقترحها وانتقلنا إلى البصرة".

وأضاف حول تلك الخطوة التي غيرت مسار حياته "بالرغم من مواجهة مصاعب الحياة وتغيّر مكان السكن، الا انني اشعر باطمئنان لقراري بعدم الهجرة وهذا لم يكن ليحصل لولا جهود سندس السيفي التي قدمت لنا خدمة انسانية كبيرة لن ننساها ابدا".

وبرغم ما يحف حياة النساء من مصاعب ومضايقات تمكنت السَيفي وهي متزوجة وام لأربعة ابناء وحاصلة على دبلوم فني وأسست منظمة "تيار المرأة المستقل" تقول حول نشاطها في منع الشباب من الهجرة الى اوروبا "استطعت لسنوات ان اقنع اكثر من أربعة آلاف شاب بالعدول عن فكرة الهجرة، وبعضهم حجزوا تذاكر السفر او اتفقوا مع مهربين للوصول الى ارض الاحلام المرتقبة لكنني تمكنت من تغيير رأيهم".

وحول مساعيها تلك تقول "لقد عملت في الكثير من منظمات المجتمع المدني وحقوق الانسان وفي مجال الصحافة والإعلام واكتسبت القدرة على فهم الأمور والإقناع بصورة سليمة. بينما لفتت نظري الاعداد المتزايدة من شبابنا من طالبي الهجرة، وهم يفكرون انهم سيجدون في البلدان الأوروبية وامريكا وغيرها مستقبلا أفضل بعد أن ضاقت بهم سبل العيش وعدم توفر الحياة الآمنة في وطنهم".

وأضافت حول مغريات الهجرة "قلوب الشباب تغلي بالحماس ولديهم طموحات كبيرة يحلمون بتحقيقها خاصة أنهم يسمعون ويشاهدون أمثلة ناجحة ممن هاجروا وحققوا لأنفسهم موقعا جيدا خارج العراق سواء بإكمال دراساتهم الجامعية أو في العمل، لكنهم في المقابل يتغافلون عن اعداد كبيرة أخرى اخفقت في بلدان المهجر".

استطاعت السَيفي التوفيق بين عملها وواجباتها العائلية اذ كرست اغلب وقتها للعائلات والشباب الذين اصرّوا على الهجرة، وكانت تلاحظ أن البعض من العائلات سافرت لظروف قاهرة مثل تأثير الأوضاع الأمنية في مناطقهم وعدم الاستقرار، بينما فضل البعض الآخر البقاء وعثروا على حل لمشاكلهم الحياتية ليكونوا عناصر فاعلة في مجتمعاتهم.

احمد الكلمشي في السبعة والعشرين من عمره انهى دراسته بتفوق وبعد التخرج اكمل كل متطلبات الهجرة عله يجد بصيص امل في مواجهة البطالة التي عاشها ومخاطر النزاع الطائفي الذي اجتاح العراق، فرسم في مخيلته الحياة الجديدة وان يترجم افكاره الى عمل، لكن ظهور سندس السيفي في طريقه غير كل شيء.

ويقول ببعض الخجل "تواصلت معي الناشطة السيفي وهي تحاول اقناعي بعدم الذهاب بينما كنت مصرا على الهجرة، الا انها كانت لي معلمة ومرشدة، وبفضل مشورتها استطعت أن أتدبر لي عملا في إحدى شركات النفط وبراتب مجزٍ".

الكلمشي الذي تخرج  من معهد النفط يواصل طموحة بإكمال دراسته في كلية الهندسة وهو حاليا في المرحلة الثالثة قسم الميكانيك. يقول حول ما حققه "سعيد جدا في الوقت الحالي لعدم هجرتي الى اوروبا. ربما ما كنت سأحصل على فرصة مشابهة. لقد كانت السيدة سندس خير ناصحة".

توني روني ساركيسيان، يتألم حينما يذكر هجرة الكثيرين من احبائه وأقاربه من طائفة الأرمن في السنوات التي خلت حتى لم يبق إلا القليلين منهم، فانقطع بذلك صوت اجراس قداس الكنائس في مدينته البصرة التي ولد وترعرع فيها.

الشاب الذي لم يتجاوز الثامنة والعشرين يقول عما حدث "بعد ازدياد هجرة العائلات المسيحية بصورة كبيرة نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية، قررت الانضمام لقافلة المهاجرين وكنت على علم أن الطريق صعب جدا، لكن السيدة سندس السيفي كان لها رأي آخر ولا أنسى موقفها وتقديمها المساعدة المعنوية لي وحجج الاقناع المنطقية، كون حياة المهجر ليست سهلة كما يتصورها البعض والعراق بحاجة الى ابنائه".

ينشط توني حاليا في مجال التنمية وحقوق الانسان، ويعمل على تطوير مجتمعه المحيط به بعد ان واجه مصاعب وظروف كادت ان تدفعه لحافة اليأس، لكنه قرر ان يتحمل المسؤولية كمواطن فاعل ويعمل على بناء مجتمع متعاون.

وبرغم كل ما تواجه السَيفي من عراقيل ومشاق ونظرة المجتمع الضيقة فأن بقاء توني ويونس والكلمشي وآخرين ممن منحتهم فرصة جديدة للإيمان بواقعهم وضرورة تغييره نحو الأحسن يؤكد على أنها تسير في الاتجاه الصحيح. وبفضلها تمكنت بعض العائلات المهاجرة من العودة إلى العراق، وتحتضن البصرة بعضها مرسلة إشارة ايجابية للآخرين الذين انهكتهم الغربة.




حــمّــل تطبيق كلكامش:

عاجل