في ذي قار .. طفلتان ضحية خطأ طبي "ساذج" اكتشف بعد 3 أعوام

في ذي قار .. طفلتان ضحية خطأ طبي "ساذج" اكتشف بعد 3 أعوام

  • 20-12-2019
  • تقارير
  • 209 مشاهدة
حجم الخط:

كلكامش برس/ بغداد

اثار خطأ طبي ساذج تسبب بحادثة استبدال الطفلتين "مريم ورقية" بمستشفى للولادة في محافظة ذي قار، جدلا واسعا خلال الأيام الماضية، ولا زال محل حديث الكثيرين على مواقع التواصل الاجتماعي في العراق، وقصة استبدالهما وكيفية اكتشاف الخطأ الطبي بعد مرور ثلاثة اعوام، يرويها والد احدى الطفلتين ويدعى احمد وحيد.

"كانت أصعب لحظة في حياتي حينما اكتشفت إن مريم التي لم تتعدَّ الثالثة من عمرها ليست ابنتي الحقيقية بل تم استبدالها داخل مستشفى الولادة ومنحوا ابنتي لعائلة أخرى".

الطفلة مريم المولودة في شباط 2017 وقبل أن تتم الشهور الستة من عمرها أُصيبت بوعكة صحية أثبتت التحاليل لاحقاً أن لديها مرض وراثي، لكن التدقيق اللاحق وفحوصات الدم الأخرى أثبتت أن العائلة لا تحمل هذا المرض.

الخيار الأخير للعائلة كان فحص الحمض النووي DNA، للتأكد من الأمر لكن النتيجة كانت كالصاعقة فالطفلة لا تمت للأبوين بصلة وكأنها أتت من كوكب آخر.

"ذهبنا لمستشفيات محافظتي كربلاء وبغداد لإجراء فحوصات جديدة ولا جديد في النتائج فالطفلة مصابة بنزف الدم الوراثي الثلاسيميا".

كل ما جرى في هذه الحادثة كان أحمد وزوجته أسماء يتكتمان عليه لأكثر من سنة ونصف، وكانا يخفيان أمر إصابة مريم رغم حاجتها للدم كل أسبوعين، لكنهما أصبحا بحاجة إلى إجراء تحليلات لعائلتيهما فأقنع كل منهما عائلته بطرق ملتوية لسحب الدم.

أظهرت النتائج بأن الجينات الوراثية للعائلتين لا تحمل المرض، تدهورت الحالة الصحية لأسماء عندما سمعت الخبر فاضطرت لمراجعة طبيبتها التي أجرت لها العملية القيصرية لولادة مريم، وعندما سمعت الطبيبة بالقصة جزمت بأن الطفلة مستبدلة في المستشفى وما على أحمد وأسماء إلا رفع دعوى قضائية ضد مستشفى "بنت الهدى" مطلع عام 2018.

يقول أحمد أن "القاضي كان يظنُ أنني أشك بخيانة زوجتي وأُريد التأكد من ذلك فطلب مني اسم الطبيبة لإكمال الشكوى فرفضتُ وطلبتُ الشكوى ضد المستشفى لكن القاضي رفض وقرر إجراء تحقيق أُصولي وأحال الطلب لضابط التحقيق".

ويضيف "بادر ضابط التحقيق بالحديث: تأكد من زوجتك، فخرجت منه غاضباً دون اكمال حديثي معه وكنت أعتصر ألماً لعدم مقدرتي الرد على إهانته".

أحمد قدّم شكوى أخرى لمكتب المفتش العام لوزارة الصحة وتم تشكيل لجنة من ثلاثة أطباء وأجروا تحليلات فصائل الدم وكانت والنتيجة أن فصيلة دم مريم (A+) وفي علم الهندسة الوراثية يستحيل أنها ناتجة عن فصيلتي دم أحمد وأسماء، حتى أمر الطبيب العدلي بقطع النزاع بإجراء فحص الحمض النووي الذي يتطلب موافقات قضائية معقدة.

القاضي استمع مجددا الى شكوى الابوين لكن هذه المرة ضد المستشفى فتم تحويل الشكوى إلى الطب العدلي في الناصرية والأخير أحال الطلب إلى العاصمة بغداد ومحكمة استئناف ذي قار الاتحادية.

"في بغداد أخذوا عينات من الدم والشعر واللعاب وبعد عشرين يومًا ظهرت النتائج واتصلت دائرة الطب العدلي بي وأبلغتني بإعادة الفحص مرة أخرى، فسافرت وتم أخذ عينات أخرى ولم يتم تسليم النتائج لي بل يجب إعطاؤها لمندوب محكمة ذي قار، والنتائج تشير إلى أن مريم ليست إبنتنا".

الدعوة القضائية التي أقامها احمد ضد مستشفى بنت الهدى والكادر الطبي في المستشفى أدت الى استدعاء 18 ممرضة ثم الافراج عنهن بعد التحقيق بكفالة، كانت 8 ولادات لإناث في المستشفى في ذلك اليوم بُلغت عائلاتهن جميعا بإجراء فحص (DNA) بشكل فردي، إذ تطلب الأمر ثمانية شهور للانتهاء وتجاوز عمر مريم السنتين حينذاك.

يتحدث أحمد بأنه اتصل بـ"كريم محيسن" والد مريم الحقيقي وأبلغه بالنتائج فرد كريم بضرورة اجراء زيارة عائلية لغرض الاستبدال، "هنا وقعت الصدمة ُ لأن لا أحد من عائلتي يعلم بالأمر فأصبحت أمام الأمر الواقع وأبلغت أهلي بالأمر فلم يتحمل أبي هول الصدمة فوقع مغشياً عليه بجلطة دماغية كادت ان تودي بحياته" يقول احمد.

كريم وعائلته وصلوا الى منزل أحمد وتم الاتفاق على إعادة كل بنت لأهلها مع استمرار التواصل بين العائلتين، وبالفعل تم التبادل في المحكمة وليس في المنزل بسبب القانون إذ حضرت العائلتان للتسليم.

مشهد درامي لا يتكرر يوميا على ارض الواقع هو ما حدث في لحظة التبادل، كان الجميع يبكون بما فيهم القضاة والمحامون "أُريد ولا أُريد في الوقت ذاته، لم يكن سهلاً عليَّ أن أُفارق مريم" يقول أحمد.

عدم اعتياد الطفلتين على العائلة الجديدة لكليهما جعل حياتهما صعبة معهما طيلة الشهر الأول لكن العائلتين اتفقتا على زيارة متبادلة كل اسبوعين إذ تبقى كل واحدة منهما مع العائلة التي ربتها ثلاثة أيام فضلا عن الاتصال عبر الانترنت وفتح الكاميرا للتواصل بين الطفلتين وعائلتيهما وهذا الامر ساعد على استقرار الحالة النفسية لهما.

يتابع أحمد حديثه "عندما ترانا مريم تأتي متلهفة من شدة الاشتياق وترفض الذهاب مع كريم وزوجته، وكذلك الأمر مع رُقيَّة، ما زلتُ أرعى مريم وأُراجع الأطباء لمراقبة وضعها الصحي، لأن الوضع المادي لكريم لا يسمح له بمعالجتها، أما رقية فعندما تذهب لمنزل كريم لا أستطيع إعادتها إلا وهي نائمة كأنها لا تعرفني أبدًا".

مريم هي الابنة الأحب والأقرب الى قلب احمد من ابنته الحقيقية وطفليه "منتظر وعلي" اللذين أقنعهما بأن والدتهما أسماء أنجبت توأماً ولا تستطيع رعايتهما معاً.

"السعي وراء الحقيقة مكلف للغاية خصوصًا إذا كان الثمن طفلاً لم يبلغ الثالثة من عمره بعد. إنها نكسة العمر، لا ذنب للطفلتين بكل ما حدث سوى أنه خطأ طبي ساذج"  يقول أحمد وهو يعيد ترتيب أوراق جديدة تتعلق باستبدال هوية الأحوال المدنية وتغيير الأسماء للطفلتين.



حــمّــل تطبيق كلكامش: