تسجيلات “أبو العود”.. صنعت نجوم الغناء العراقي وتحتفظ بأصواتهم منذ القرن الماضي

تقارير 18/09/2019 427
+ = -

كلكامش برس/ ذي قار

منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي، يحتفظ (أبو العود) بارشيف غنائي كبير من التسجيلات، معاصراً كل التغييرات في البلاد منذ قيام النظام الجمهوري وسقوط الملكية، وصولاً إلى الاحتلال الامريكي والاطاحة بنظام صدام حسين، مكوناً الذاكرة الغنائية الوحيدة المتبقية للفن منذ عشرات السنين، في محافظة ذي قار.

وتسجيلات أبو العود، هي واحدة من أقدم التسجيلات الغنائية التي كانت تشتهر بها محافظة ذي قار، وبرز عبر ترويجها للغناء الجنوبي الكثير من الفنانين الذين أثروا الساحة الفنية منذ التأسيس عام 1954 في أقدم احياء الناصرية، وحتى الآن.

يقول حفيد مؤسس تسجيلات (أبو العود)، جواد أبو العود، في حديث لـ”كلكامش برس”، إن “حكاية انشاء تسجيلات والده جاءت بعد أن كانت الحياة آنذاك تميل للطرب والغناء، حيث بدأ والده عبدالله علي الركابي في انشاء التسجيلات عام 1954، حينها كانت واحدة من أكبر التسجيلات آنذاك التي انتشرت في الناصرية”.

ويضيف أبو العود، أنه “استلم المهنة بعد والده الذي توفي عام 1986 وحتى اليوم، حيث لا تزال هذه التسجيلات تحتفظ بأنواع مختلفة ونادرة من التسجيلات للكثير من الفنانين الذين كانوا قد عرفوا في الساحة الفنية في العراق طوال أكثر من نصف قرن”.

وعن طريقة التسجيلات، يتابع أبو العود، أنه في البدء كانت هناك الاسطوانة، (كرانفون) وبعدها دخل (التيب) أي المسجلات القديمة، (ابو البكرة) وبعدها في نهاية الستينيات دخل الكاسيت، وكنا نواكب كل التسجيلات الحديثة التي تدخل للعراق، حتى اليوم، وهذا هو سر صمودنا أمام الوسائل الحديثة التي دخلت بعد العام 2003.

“سابقا كان هناك إقبال واسع على التسجيلات من قبل الناس”، كما يقول أبو العود.

ويضيف: “لم نقف عند هذا الحد، بل كنا نقيم حفلات، في مناطق كثيرة في المحافظة، وكانت التسجيلات لمطربين محليين، أمثال علي حياوي، ومحيبس، وكان اقدم مطربي الناصرية الذين سجلنا لهم، هم مسعود العمارتلي، وخضير حسن ناصرية وجخير سلطان، حيث كانوا قد بدأوا في الثلاثينات، الا أننا سجلنا لهم (اسطوان)، بعد افتتاح التسجيلات استطعنا أن نضعها ونحولها للكاسيت ولا تزال الناس تسمع أصواتهم، كونهم من المؤسسين للطرب والأغاني في الجنوب”.

ويكشف أبو العود عن “معاناته بعد دخول الأقراص الليزرية في التسجيل، وظهور تسجيلات مختصة بها، حيث  يؤكد على أن الأقبال تراجع بعد ظهور تلك الأقراص، ومع دخول الهاتف، قل الاقبال على الاقراص وهكذا، ورغم التطور، لكن الكاسيت حتى الان يعمل، وهناك من يأتي ويشتريه”.

مقاومة الزمن

يقول فاضل حبيب أحد رواد التسجيلات لـ”كلكامش برس”، أن “دخول الأغاني الحديثة وحب الشباب لها، ادت إلى أنقراض الكاسيت، لكنني احتفظ بالكاسيتيات وأسمع أغاني حضيري أبو عزيز وداخل حسن، وغيرهم من الأصوات اللامعة في الفن العراقي، لحد اليوم أنا اتعامل مع الكاسيت رغم التطور”.

وأضاف حبيب: “منذ زمن ليس بالقصير، وأنا مستمر على متابعة التسجيلات وشراء الكاسيتات الغنائية، واما في شهر محرم، فأننا نشتري الكاسيتيات التي فيها لطميات، وتسجيلات ابو العود ليس للغناء فقط، بل يوجد هناك أشعار واناشيد دينية وكذلك اغاني ومعزوفات فنية كثيرة”.

أرشفة وذاكرة طويلة

تجاوزت مهمة التسجيلات بشأن اقتصارها على الكاسيتات فقط، بل كانت مكان للأرشفة الغنائية والفنية بشكل عام في المحافظة، بل وتعدى ذلك، أرشفتها وتوثيقها للحفلات  والجلسات الخاصة التي كانت تقام في الناصرية، أيام زمان، بحسب كريم محمد وهو فنان موسيقي وأحد زبائن التسجيلات.

وتسجلات أبو العود، كما يؤكد الفنان الموسيقي، هي واحدة من أقدم وأهم التسجيلات الفنية في مدينة الناصرية، وكان لها الدور الكبير في أرشفة الحفلات والأعراس والجلسات للمطربين مثل داخل حسن وجبار ونيسة وباقي المطربين كانوا انذاك، تقريبا يؤرشفون كل شيء يبا، وكان لها شهرة واسعة في الناصرية.

الان هم يبيعون الكاسيت القديم، وهم ينقلون من الكاسيت الى الأقراص، ويحظون بصدى واسع في المحافظة، فلازالوا محتفظين بهذه المهنة رغم قلة الحفلات التي تجري، ولكنهم يمتلكون أرشيفا ضخما يمكن أن يعزز الثقافة الغنائية في مدينتنا بمرور الزمن والاطلاع على تاريخ الفن فيها.

وتشتهر الناصرية، بعدد كبير من الفنانين الذين أثروا المشهد الفني الغنائي العراقي طوال أكثر من نصف قرن، وبرز فيها مطربون، خلد التاريخ، وفي الناصرية برز ايضا الكثير من الأطوار الغنائية التي انتشرت لاحقا في عدة مناطق ومدن عراقية، وصارت جزءا مرتبطا بهذه المدينة.

ورغم كل ما قدمته المدينة، للفن العراقي، لكنها لم تُخلد فيها من الفنانين، الكبار أمثال داخل حسن وحضيري ابو عزيز وناصر حكيم وغيرهم من المطربين بأي شيء، حيث لا نصب فنية لهم، في ظل انتشار وهيمنة لنفوذ احزاب الاسلام السياسي.

وقبل أكثر من ثمان سنوات، فجر مجهولون عبوة صوتية قرب أحد المطاعم وسط المدينة، بعدما كان من المقرر أن يقام فيها حفلا غنائيا للفنان حسين نعمة.

ومنذ تلك الفترة، تشهد المدينة ضمورا بالنشاطات الغنائية، سوى محاولات خجولة لبعض الناشطين الشباب، الا أنها لم تخلوا من مضايقات من قبل متنفذين تابعين لأحزاب دينية.

شاركنا الخبر
الأكثر مشاهدة