روايات جديدة لتجارة داعش بالسبايا.. والنجاة بالعوق

تقارير 14/02/2019 379
روايات جديدة لتجارة داعش بالسبايا.. والنجاة بالعوق
+ = -

تقارير- كلكامش برس؛ الملامح الحزينة للفتاة التي في العشرينات من عمرها، تزيح اللثام عن كثير من قصص ومجريات ما حل بأتباع دين مسالم في كردستان، وثم طفل في الخامسة يضطر ليلى بين الحين والآخر للتوقف عن الكلام، وتتساقط الدموع الدافئة مراراً من عين أمه على وجهه.
تمسد ليلى طفلها برفق وتعود بذاكرتها إلى صباح يوم في حي خزر، كانت الأحداث متسارعة لدرجة أنها لم تتمكن إلا من نصب مجلس عزاء في قلبها الحزين على فقد زوجها.

“في حي خزر، أخذونا إلى دار، كان المشهد أشبه باليوم الأول لاحتلال سنجار، قاموا بقص شعر عدد من البنات قصة جعلتهن يشبهن الصبيان”.

تصفهم ليلى أحياناً بـ”تتار العصر”، إنهم المسلحون الذين كانوا يفخرون بإعادة إنتاج مشاهد حدثت قبل 1400 عام، وكانت سوح المعارك ومزادات الجواري قد أثملتهم.

تظاهرت فتيات بالصمم والبكم، وتظاهرت أخريات بالجنون تلافياً لاتخاذهن جواري يشبعن شهوات مسلحي داعش “جاؤوا بطبيب لفحصنا، فكشف كذب الجميع، ثم جاءت مجموعة من المسلحين تتشابه ثيابهم وشعورهم ولحاهم وحتى ضحكاتهم وغضبهم، واختار كل واحد منهم فتاة، وإذا كانت الفتاة تبدو متسخة كانوا يناولونها غسول شعر ومعقماً ويقولون اذهبي وتنظفي جيداً”.

الخرزات الزرقاء تتكلم

في شهر تموز من العام 2015، أعلن ديوان الدعوة ومساجد تنظيم داعش في ولاية (البركة) قراراً مفاده أنه ستكون هناك مسابقة لحفظ القرآن والثلاثة الأوائل سيحصلون على جائزة هي عبارة عن “جارية”. كانت كل طرق المكافأة والتكريم عند داعش ترتبط بمصير البنات من أمثال ليلى.

بعد صلاة الظهر، جاءت حافلة وشاحنة مبردة، وحملوهما بكل النساء. كانت ليلى من اللواتي حملتهن الشاحنة المبردة، كان الطريق طويلاً جداً وكان هناك مسلح يتولى حراستهن. مرت المركبتان عبر سنجار، وعادت جراح ليلى تتفتق مع مرورهم بجانب دار أبيها. في ذلك الزقاق الذي يحتضن كل حياة طفولتها وذكرياتها بحلوها ومرها. إنه المكان الذي كانت تركض فيه مستقبلة أباها لدى عودته وهي ترتدي ثيابها المغبرة من أثر اللعب.
يبدو المكان الآن أشبه بمقبرة “في تلك اللحظات كانت الطائرات تقصف سنجار، كنت أدعو الله أن تصاب سيارتنا بصاروخ ولا نبلغ سوريا”.

لكن الله لم يستجب لدعائها، “وصلنا إلى سوريا ليلاً، فأخذونا إلى قبو ليس فيه غير مصباح ضعيف، كان مليئاً بمخلفات السجينات السابقات، وعرفنا أن إزيديات أخريات سبقننا إليه. هناك، أخذ كل واحد فتاة له، كانت توجد في الغرفة خرز زرقاء، كان الدواعش يكرهون خرزنا الزرقاء كثيراً”، ثم تم نقل ليلى وعدد من النساء إلى غرفة متسخة منتنة “كانت مياه المرحاض تصب علينا، ثم نقلونا إلى حديقة فيها خدمات جيدة، يبدو أنها كانت لمسؤول سوري قبل ذلك. زودونا بغسول شعر وصابون وقالوا اغتسلن وتهيأن فهناك من ينتظركن”.

مع طبيب تجميل

حضر الشاري والبائع أمام الكاتب العدل، فباع أبو منعم ملك يمينه بألف وخمسمئة دولار لأبي حازم، وعدّ المال من فوره، ثم قام بتسليم الامرأة لأبي حازم، وكان أبو طيب وأبو عزالدين شاهدين على البيعة. سجل الكاتب العدل في كتاب المحكمة الشرعية الخاصة بالجواري، تفاصيل طول ولون وشكل الفتاة وحتى لون العينين. تكلم كثيراً ولم ينس الحديث عن طريقة التصرف ومدى الطاعة الواجبة عليها.

الهاتف النقال لكل مسلح في داعش، عبارة عن سوق رائجة للاتجار بالبنات والنساء الإزيديات. فمن خلال شبكة (واتس أب) الاجتماعية نشرت صورة ليلى وطفليها ومعها سعر بيعهم.
كان أبو حازم قد اشترى وباع الكثير من الجواري بهذه الطريقة. لم يكن هذا السعودي يستطيع الذهاب بكل قلبه إلى القتال، فقد كان منشغلاً بجواريه وكان ذلك سبب ثرائه.

بعد ذلك، اشترى أبو أنس، ليلى وفتاة أخرى، وباعهما في اليوم التالي لعراقي من الموصل يدعى سيف. في نفس المبنى، جاء سيف وغادر أبو أنس، “لأنني لم أكن أصوم ولا أصلي، كنت أتلقى الكثير من الأذى منه، ثم تقدم لشرائي عن طريق واتس أب مسلح سعودي ذو مكانة في داعش، يدعى عبدالله الهاشمي”، وقصة وصول هذا الأخير من السعودية إلى الشام ذات شجون.

كانت لعبدالله عيادة تجميل في شارع الأطباء بالعاصمة السعودية، الرياض، كانت أيامه المثمرة ثمرة حذقه وخبرته في مجال اختصاصه. كان يستقطب الشباب السعودي من كل مدن البلاد بجيوب ملأى ليصلح كل ما في وجوههم من عيوب، لكن ارتباطه بالسلفيين المتطرفين عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي غيّر طريقة تفكيره تماماً.

فجأة انتبه عبدالله الهاشمي ليجد نفسه كارهاً لكل شيء حتى مهنته، فتوجه إلى الشام وبدأ يقدم خدماته لتلك الخلافة التي كان أحد شروطها إخفاء كل ما في الوجوه من جمال تحت ألبسة سوداء.

“لقد تُبت عن ذنوبي ولن أعود إلى تلك الذنوب مرة أخرى”، هذا ما أخبر به الهاشمي ليلى، ولم يكن يخفي عنها أنه “تخلى عن الكثير من أقاربه وأهله في سبيل الدولة الإسلامية”، لكن تعامله مع ليلى وسائر الجاريات لم يكن يدل على أن هذا الرجل كان في يوم ما طبيباً يخدم الإنسانية، “كان يتصرف بجنون، وكان عنيفاً في ممارسة الجنس، وكان يُكرهني على تلاوة القرآن في بعض الأحيان”.

كانت ليلى تعاني من الطبيب الداعشي الشديد المراس قليل الصبر، لكنها كانت تشكر ربها على بقاء طفليها في حجرها وتستطيع رعايتهما حتى وهي في ذلك الجحيم.

لا أحد يبتاع النساء الحوامل

ثم مثل شائع في المجتمع الإزيدي يقول: “في أرضنا، تنهض النساء أولاً ثم تشرق الشمس، لأن النساء هن من يجعلن الشمس تشرق”، لكن هؤلاء النسوة لم يعدن في الديار الآن ليجعلن الشمس تشرق في الصباح. قبل أن ألتقي ليلى، جلست إلى رجل إزيدي جالساً يتشمّس وقد نالت منه الأيام وأحنت ظهره، وصبغ دخان السجائر شاربه الأبيض الكث بالصفار. إنه (حيتو) الذي كان يحدثني عن مكانة المرأة في المجتمع الإزيدي، النساء هن الشمس المشرقة التي تستقي إشراقتها من تعاليم الشيخ آدي وأتباع هذا الدين. أدركت من سوء حالة حيتو أن أرضهم أنبتت الكثير من الألم بسبب فقد نسائهم وبناتهم، بحيث لم يعودوا قادرين على ترديد ذلك المثل.

كان عبدالله الهاشمي يريد التمتع أكثر واستبدال جاريته، الأمر الذي كان ديدن الدواعش، فسلم ليلى إلى أربعة من مسلحي داعش اقتادوها إلى بيت ما. أجبروها على التبرج ولبس ثياب مثيرة، ثم وكأنهم يتطلعون إلى دمية ثبتوا أنظارهم عليها، حتى اشتراها أحدهم ودفع المال إلى الطبيب، “وأخذني إلى بيته، وهناك بدأ يلتقط الصور لي ولطفلَي، وإرسال الصور بواسطة واتس أب إلى الدواعش الآخرين، وبعد ستة أيام جاء زبون وابتاعني، وهو المدعو أبو حمزة”.

كان أبو حمزة تاجراً، لكن بضاعته كانت عبارة عن بشر، بنات ونساء هاجم داعش ديارهن في 3 آب 2014 وقتل رجالهن ونهب ممتلكاتهن ومقتنياتهن وأخذهن غنيمة حرب، بسبب دينهن، ليصبحن بضاعة يتاجَر بها. عندما انطلقت ليلى مع النخاس إلى داره، كان يتصرف وكأنه رجل يستعجل الوصول إلى البيت ليواقعها، “لكن عندما وصلنا إلى البيت، وجدت عدداً كبيراً من البنات والنساء الإزيديات، كانت داراً فخمة وحياة باذخة، وكان هو معروفاً جداً. لم أتعرف إلى أي من تلك النسوة، لكني أدركت أن دار أبي حمزة عبارة عن مكتب نخاسة، وهناك ومن خلال تبادل الحديث مع النساء، عرفت أن الطريقة الوحيدة للخلاص من البيع والشراء المتكرر ولبضعة أشهر هو الحَبَل”.

لا تنتهي ليالي ألم ليلى، امرأة انقسمت حياتها، على مدى ثلاث سنوات في الأسر، على الهروب من مصيبة للوقوع في أخرى “باعوني لداعشي أمريكي لعدة أيام، ولاحظت أمراً غريباً، وهو أن الدواعش الأمريكان كانوا يملّون جواريهم سريعاً جداً، ويريدون الحصول على أخريات. لم يكونوا يطيقون الثرثرة وكانوا يريدون الجارية أن تكون إلى جانبهم في صمت وتلبي رغباتهم، كما كانوا مولعين بتجديد الجواري، دعك من هذا، سأحدثك عن الأمريكان في ما بعد”، بقيت مع الداعشي الأمريكي فترة قصيرة لم يتسن لها خلالها معرفة اسمه.

قائمة المحرمات

طريقة الالتزام التي كانت تلزم مسلحي داعش بالتصرفات الشرعية الإسلامية كانت لافتة وتظهر أنهم كانوا يجعلون الشريعة تتفق مع عالمهم. كانوا يغفلون الشرع عند تماديهم في التعذيب وإفراغ شهواتهم ومواقعة النساء غصباً. لكن في التعامل مع الحوامل، كانوا يلتزمون بالشريعة ويتجنبونهن.

محمد أحمد، واحد من مسلحي داعش، تبين له أن فهماً خاطئاً قاده إلى سوريا، ثم تسنت له فرصة الهروب منها، تحدث لجريدة (تلغراف) البريطانية، وقال إنه اعتدى على أربع بنات كورديات إزيديات، إلى جانب ارتكاب عدد من جرائم القتل. كان في الأربعين عندما عاد بلحيته الطويلة إلى بريطانيا: “عوضاً عن الرواتب، كان داعش يزودنا بمختطفات من الكورد الإزيديات، كن على الدوام بمثابة راتب أو مكافأة على القتال والشجاعة، أو كن السبايا اللواتي أطلق يدنا في الاتجار بهن، وفي حال خرجت إحداهن عن طاعة المسلح الداعشي، كانت عقوبتها الجلد”.

كان كل شيء في الرقة غريباً عن ليلى، حتى جسدها المتهالك. في الأيام التي كان يتسنى لها الخروج إلى السوق، كانت تجد أناساً يخيل لها أنهم ولدوا عابسين. البضائع والأطعمة التي تعرض على العربات، كان الذباب ينال منها حاجته قبل الزبائن. الأبنية المدمرة التي وضعت الحرب بصماتها عليها، كانت وكأنها تشير إلى أن المسلحين راهنوا على تدميرها بحيث لا تقوم لها قائمة، “إذا حاول أحدهم الهروب، كان ذلك أشبه بالخوض في حقل ألغام، لأننا لم نكن نعرف المنطقة، كان يتم القبض علينا بعد ابتعادنا شارعين عن مكاننا”.

انهار بعض البنات تماماً نتيجة الإهانة التي كن يتعرضن لها عند بيعهن وشرائهن، وهناك أمثلة كثيرة لمحاولات انتحار أقدمن عليها. منها قصة فتاة إزيدية هربت من أحد المسلحين في الرقة واستنجدت ببائع في السوق لإيوائها في داره وإطعامها لقمة وإيوائها يومين، لكن تم القبض عليها بعد سويعات. كانت الفتاة قد حاولت الانتحار من قبل باستخدام عقار للالتهابات، لكن يبدو أن الموت كان بعيد المنال.

“عندما كنت أنظر لطفلَيّ، كنت أتراجع عن قرار الانتحار، كان علي البقاء من أجلهما”.

شاركنا الخبر
آخر التحديثات
تصفح جميع المواضيع
الأكثر مشاهدة